البقرة تريد فعلا إعطاء الحليب،
ولكن للعجل، ومن المنطق الافتراض بأنها أقل رغبة في الحمل الدائم من جراء الإخصاب الصناعي.
المزيد >

صناعات الدواء والصناعات الحيوانية

تقض مقاومة الجراثيم المتزايدة للمضادات الحيوية مضاجع مسؤولي السلطات الصحية في العالم، حيث يتم إطلاق الحملات الإعلامية المضادة للاستعمال الزائد للمضادات الحيوية، علما بأن النقاش العام في القضية يتركز في العادة على ضرورة تجنب الناس لتناول المضادات الحيوية إلا في حالة الضرورة. ولكن هناك عاملا هاما من عوامل هذه المشكلة في مكان آخر، إذ إن مقاومة الجراثيم تنمو وتتطور في مؤسسات تبقى بعيدة عن الأجندة العامة، وهي المزارع الصناعية.

الجراثيم تعود

لقد جعل اكتشاف المضادات الحيوية قبل حوالي 60 عاما العالم الغربي يعتقد بأن الأكثرية الساحقة من الأمراض التلوثية قد أصبحت في خبر كان، ولكن في السنوات الأخيرة يتضح أكثر فأكثر أن نظرية “الدواء السحري” تتآكل باستمرار، إذ يتسبب الاستعمال المستمر والواسع النطاق للمضادات الحيوية في ظهور أنواع عنيفة من الجراثيم المقاومة للعلاجات الطبية المألوفة، فالأمراض التي كان يبدو أنها قد اختفت من الوجود مثل السل، تعود لتضرب الطبقات الضعيفة. كما أن مقاومة الجراثيم للمضادات الحيوية أقوى في البيئات التي يكثر فيها استخدامها، مثل الناس الذين يتناولونها لفترات مطولة وعائلاتهم والمستشفيات وغيرها.
ومن بين الخبراء الذين يحذرون من الخطر المتزايد البروفسور س. بيتلك الذي يقول إن الجراثيم بدأت تطور أجهزة كثيرة الذكاء لمقاومة المضادات الحيوية، من خلال التغيير البنيوي الذي يحول دون تأثير المضادات الحيوية، علما بأن هذه الأجهزة لا تتوارثها الجراثيم من نوع واحد، وإنما فيما بين أنواع مختلفة، وهو ما يولد عملية انتقائية تخلق سلالات جديدة للجراثيم المجهزة بمنظومات متجاوزة للمضادات الحيوية. ويؤكد بيتلك أن بيانات جميع الدول تعكس تراجعا مستمرا في فعالية المضادات الحيوية، وهي ظاهرة آخذة في الاتساع، ما يبقي الطب عاجزا عن مقاومتها. وهناك جرثومة مقاومة معينة يزداد انتشارها كملوث لدى المرضى بنسبة 14% كل عام.

من يستهلك المضادات الحيوية؟

يخصص في الولايات المتحدة ما يزيد عن 40% من المضادات الحيوية التي يتم إنتاجها لحيوانات المزارع الصناعية، حيث تتراكم بقايا المضادات الحيوية في المنتجات الغذائية المصنوعة من الحيوانات التي سبق علاجها بالمضادات الحيوية، ومن شبه المستحيل التخلص منها، وما التقارير الصحفية الكثيرة حول وجود المضادات الحيوية في حليب الأبقار المسوق للسكان، إلا جزءا من الصورة الكاملة.

الأدوية ومحفزات النمو

إن حبس عشرات الآلاف من الدجاج والديوك وغيرها في حظائر مغلقة وبنسبة ازدحام تصل إلى 20 حيوانا على المتر المربع يعني سرعة انتشار الأمراض واستحالة منعها، لتصبح المضادات الحيوية عاملا مهما لا تتمكن المزارع الصناعية من الصمود بدونه، فبدون دعم طبي لا يمكن الاحتفاظ بالحيوانات بمثل هذا الزحام. ومع أن الأدوية تعطى للحيوانات المريضة لعلاجها، ولكن الحيوانات السليمة تتلقى هي الأخرى المضادات الحيوية للوقاية من تطور الأمراض، بل إن المزارعين لا يكتفون بذلك، ليقوموا بإعطاء الحيوانات كميات كبيرة من “محفزات النمو”، وهي مواد تدخل فيها المضادات الحيوية كمكون أساسي، وتحفز النمو “والإنتاج” اللذين يتجاوزان القدرة الطبيعية للحيوانات. ومع أن جرعة المضادات الحيوية التي تتضمنها محفزات النمو أقل من الجرعة المخصصة للعلاج من الأمراض، غير أنها تعطى للحيوانات لفترات تمتد لأسابيع بل شهور. ولا تقل المقاومة التي تطورها الجراثيم إثر استخدام محفزات النمو عن المقاومة التي تكسبها إياها الأدوية القائمة على المضادات الحيوية. بل إن الدراسات تدل على أن محفزات النمو أكثر تشجيعا لتطور الجراثيم المقاومة للمضادات الحيوية، لأن المضادات الحيوية التي تحتوي عليها هي في الواقع نسخة “مخففة” لا تقضي على الجراثيم، بل تمكّن الأكثر مقاومة منها من سهولة الصمود والتكاثر دون منافسة من غيرها.

ما مصير الحيوانات؟

قد يكون بالإمكان زيادة مراقبة كميات المضادات الحيوية التي تصل إلى صحن البشر ومعدته، ولكن حيوانات المزارع الصناعية لن تستفيد من ذلك، فكلما قلت فاعلية الأدوية، كلما كانت هي أكثر عرضة للأمراض، وحتى لو تم الحد بفاعلية من استعمال الأدوية، ستكون هي الأكثر عرضة للمرض. ومع أن تقليص اللجوء إلى محفزات النمو سيكون له تأثير إيجابي معين على حالها، إلا أنه من هذه الناحية أيضا لا مجال للكثير من التفاؤل، فالصناعة تعكف منذ سنين على تطوير وسائل بديلة لتحفيز نمو الحيوانات بشكل غير طبيعي، إن كان بالتلاعب بالغذاء، أو ظروف الحياة أو المكونات الوراثية للحيوانات.

الرابح: شركات الدواء

برعاية شركات الدواء

إن صورة شركات الدواء بنظر الجمهور تربطها بتوفير العلاج لأمراض البشر، ويبدو أن أحدا لا يدرك أن معظم “مستهلكي” الأدوية التي تقوم هذه الشركات بإنتاجها ليسوا هم البشر بل غيره من الكائنات، وهي 40 مليارا من الحيوانات المحبوسة في المزارع الصناعية في شتى أنحاء العالم. وكما رأينا، فإن الزراعة الصناعية ليست ممكنة إلا بفضل إعطاء الحيوانات أدوية من أنواع مختلفة على أساس يومي. ورغم أن الأدوية المعدة للبشر أغلى ثمنا بكثير من الأدوية البيطرية، إلا أن الكميات الضخمة للأدوية البيطرية التي يتم إنتاجها تحول المزارع الصناعية إلى صاحبة نصيب كبير من دخل شركات الدواء. ويمكن ملاحظة ذلك عند مطالعة المنشورات الزراعية، والتأكد من أن شركات الدواء من أهم المعلنين في مجلّات الصناعة الحيوانية، بل تقدم الرعاية للمؤتمرات واللقاءات التي يعقدها قطاع الدواجن، كما أنها تقوم بتمويل الدراسات وتعرض المنح البحثية في هذا المجال.

الأدوية لا تداوي بالضرورة

واضح أن صحة الإنسان ليست هي الشغل الشاغل لصناعة الأدوية، إذ هناك دلائل متزايدة على أن استهلاك الأدوية قد يؤذي، إن كان بسبب الاستعمال غير السليم، وإن كان بسبب الإفراط في الاستعمال، وإن كان كنتيجة لاستهلاك المنتجات الزراعية، ولا سيما المنتجات الحيوانية. وقد ازداد في السنوات الأخيرة وعي المستهلك لبقايا المواد الكيماوية الضارة التي تحويها الأطعمة الحيوانية، مثل مبيدات الحشرات (من هيدروكربونات مكلورة ومركبات الفسفور العضوي)، والملوثات البيئية (المعادن الثقيلة) والبقايا الموجودة بكميات أكبر بكثير، أي الأدوية (حيث تتمثل البقايا الدوائية الأكثر انتشارا في المنتجات الحيوانية في المواد المضادة للميكروبات مثل المضادات الحيوية والسلفوناميدات، والمواد ذات النشاط الهرموني ومحفزات النمو ومضادات الكوكسيديا والمواد المضادة للالتهابات). ومن الأخطار الناجمة عن استعمال المضادات الحيوية في المزارع الحيوانية هي جراثيم السلمونيلا و الكولي الشديدة المقاومة، كما هناك جراثيم خطرة ومقاومة خطيرة أخرى كثيرة، وثمة من يربط بين استهلاك المضادات الحيوية والهرمونات من خلال المنتجات الحيوانية وبين النضج الجنسي المبكر والنمو المتسارع لأجسام الأطفال.

التوصيات بدل المراقبة


لقد وضعت منظمة الصحة العالمية ومنظمة الغذاء والزراعة (الفاو) مواصفات هدفها مراقبة استعمال المضادات الحيوية، حيث تنصح منظمة الصحة العالمية مثلا بالانقطاع التام عن استعمال المستحضرات المستعملة في الصناعات الحيوانية والمعروف تشجيعها لمقاومة الجراثيم للمستحضرات المستعملة في الطب البشري. ولكن هذه المواصفات تبقى بمثابة نصائح ليس إلا والتحدي الكامن في الأمر كبير، إذ تتطلب المراقبة الفاعلة موقفا حازما من الحكومات وتعاونا فيما بين المزارعين والسلطات البيطرية والسلطات الصحية. وقد حظر الاتحاد الأوروبي استعمال عدد صغير فقط من أنواع المضادات الحيوانية، فيما الوضع في الولايات المتحدة أسوأ، وهو أمر متوقع. ووحدها السويد تمنع استعمال أي محفز للنمو، بينما وضعت معظم الدول الغربية مواصفات للمستويات القصوى للمضادات الحيوية المسموح باستعمالها، علما بأن المراقبة تتم أساسا عبر الفحوصات المخبرية لعينات من المنتجات. ولكن المواصفات تعتمد على الوضع القائم في الزراعة، وما تقوم به أجهزة المراقبة هو الإنذار بالخروج عن المعدلات المألوفة، وهي معدلات غير سليمة أصلا، إذ لا تعتمد المراقبة على دراسات تنذر بأضرار خطيرة قد تنشأ عن استهلاك الكميات المألوفة لبقايا المضادات الحيوية، أو حتى عن استهلاك كميات أدنى منها. ورغم ضغوط منظمات المستهلكين، يتمكن لوبي شركات الأدوية واللوبي الزراعي ومنظمة التجارة العالمية من الحيلولة دون قيام مراقبة أكثر صرامة.

“إنقاذ حياة البشر”

تقوم شركات الأدوية بتوفير نسبة ملحوظة من تمويل اللوبي العالمي الداعم للتجارب على الحيوانات، حيث يتحدث خبراء الإعلان والعلاقات العامة العاملون لحساب هذه الشركات عن الحاجة القائمة إلى تطوير أدوية لإنقاذ حياة البشر، لتتمكن، وعلى أساس هذا المبدأ، من إسكات معظم الأصوات المعارضة للعذاب الذي تلحقه هذه الشركات بالحيوانات المخبرية. ويبدو أن أحدا من السياسيين والإعلاميين وحتى ممثلي المنظمات المعارضة للتجارب على الحيوانات، لا علم له بإحدى أهم المصالح التي تقف وراء التجارب، والتي لا صلة لها البتة بإنقاذ حياة البشر أو الحفاظ على صحته، ألا وهو إنتاج اللحم والحليب والبيض. فالدافع مالي، إذن، ليس إلا، حين يسمح تصنيع المنتجات الحيوانية بتطوير وإنتاج وبيع الكثير من أنواع الدواء وبكميات ضخمة. ومن أجل تمكين أعمالها من النمو بلا عائق، تحارب شركات الدواء الأنظمة التي تهدف إلى الحد من استعمال الأدوية في المزارع. وهكذا، وتحت شعار “إنقاذ حياة البشر”، تقوم الصناعات الدوائية بتسميم الملايين من مستهلكي المنتجات الحيوانية، كما تقوم تحت عباءة التقدم العلمي والطبي والبشري، بإضعاف وسائل محاربة الأمراض الخطيرة التي كنا نأمل بأنها قد زالت من الوجود.