من “الهرم الغذائي” إلى “صحني”

تغييرات في توصيات التغذية لوزارتي الزراعة والصحة الأمريكيتين

في كانون الثاني 2011 رفعت منظمة “أطباء من أجل طب مسؤول” (PCRM) دعوى مطالبة بتغيير توصيات التغذية لوزارتي الصحة والزراعة الأمريكيتين، على نحو أكثر اعترافا بإمكان اعتماد التغذية على الأطعمة النباتية، كما اقترحت نموذجا أسمته “صحن القوة” بديلا ل”الهرم الغذائي”. وبعد وقت قصير من رفع الدعوى، نشرت الوزارتان المذكورتان توصيات غذائية جديدة هجرت فيها “الهرم الغذائي” واعتمدت نموذجا جديدا شبيها إلى حد أبعد بكثير بما تقترحه منظمة” أطباء من أجل طب مسؤول”، وهو نموذج يقترح مقاربة أكثر إيجابية من أي وقت مضى للنباتية والخُضْرِيّة.

والنموذج الجديد، أي “صحني“، يشبه نموذج “صحن القوة” التابع للمنظمة ليس بمظهره وحسب، إذ ترد ثلاث فئات من أصل أربع ل”صحن القوة” (وهي الخضروات والفواكه والحبوب) بشكل مطابق تماما في النموذج الجديد، وهي أول مرة توصي فيها السلطات الصحية الأمريكية بأن تمثل الخضروات والفواكه نصف النظام الغذائي.

"صحني" ((النموذج الجديد لوزارتي الصحة والزراعة الأمريكيتين على اليمين)، و "صحن القوة" الذي عرضته منظمة PCRM (على اليسار)

“صحني” (النموذج الجديد لوزارتي الصحة والزراعة الأمريكيتين على اليمين)، و”صحن القوة” الذي عرضته منظمة PCRM (على اليسار)

ومع أن ربع الصحن مخصص للبروتين (بخلاف فئة “البقول” التي يضمها “صحن القوة”)، إلا أن مصطلح “البروتين” حيادي من حيث مصادر استهلاكه ولا يشير إلى الطعام الحيواني بالذات. وفعلا، وبالإضافة إلى بدائل البروتين الحيواني ترد على الموقع الإلكتروني الجديد (الذي يشرح التوصيات بالتفصيل) أيضا أنواع مختلفة من البقول (مع الاسترسال في تفصيل جميع أنواع البقول المهمة، وهي شيء لا يستهان به، إذا أوردنا في الاعتبار أنها أول مرة تحظى فيها البقوليات بهذا الشرف ضمن التوصيات الأمريكية). كما تشمل فئة البروتين انواعا مختلفة من منتجات الصويا، مثل التوفو ورقائق الصويا والتامبا والبورغر النباتي)، كما الجوز اللوز والبذور (التي تنال هي الأخرى قسطا هاما من الاهتمام). ورغم شمول الفئة لأنواع مختلفة من اللحم والبيض، غير أنه لا يتم تقديمها كمصدر البروتين المفضل، وإنما كبديل متساو في جودته للبروتين النباتي. وبالمقارنة مع النظرة السابقة للجهات المسؤولة عن التوصيات، والتي شجعت على مر عقود من الزمان الاستهلاك المفرط للمنتجات الحيوانية، فإننا لسنا أمام اتجاه إيجابي وحسب، وإنما أمام ثورة حقيقية.


أما أكثر الفئات إثارة للاستغراب ضمن الصحن فهي كأس الحليب الذي يرد بشكل مستقل عن سائر الفئات الغذائية، لا سيما وأن أعدادا متزايدة من الأمريكيين يعانون من زيادة الوزن). لقد كان من المفضل بشكل أكيد تشجيع الأمريكيين على شرب الماء كمشروب أساسي يتم تناوله مع الوجبة الغذائية، بدلا من الحليب الغني بالسعرات الحرارية. ولكن فئة منتجات الألبان تتضمن إمكانية استبدال التشكيلة الواسعة من منتجات الألبان، والتي تضم فيما تضمه “الأطعمة الصحية” مثل البودنج والبوظة، بحليب الصويا. ولكن تبدو قلة السعي لعرض بدائل لائقة للأطعمة الغنية بالكالسيوم للخُضريّين (نباتيين الصرف) أو من لا يريدون استهلاك الحليب لأي سبب كان. ومما ينقص هنا بشكل خاص الإشارة إلى أن التوفو والتامبا الواردين ضمن فئات البروتين، تناسب بنفس القدر فئة الحليب. كما أن تقليدية التوصيات بالنسبة لمنتجات الألبان تتمثل في التوصيات الموجهة للذين لا يتحملون مادة اللاكتوز، حيث يُنصحون باستهلاك منتجات الألبان قليلة اللاكتوز أو مضاف يحوي الإنزيم الذي يفتقدونه لهضم سكر الحليب، بدلا من إمكان استبدال منتجات الألبان بالأطعمة النباتية التي لا تقل عنها قيمة غذائية. ومع ذلك، فهذه الفئة أيضا لا تنص على وجوب استهلاك المنتجات الحيوانية بالذات، إذ تتضمن حليب الصويا المعترف به بديلا لائقا للحليب الحيواني.

وإذا قمنا بمقارنة نموذج “الهرم الغذائي” بنموذج “صحني” سهل علينا ملاحظة مدى تقادم الهرم الذي استخدمه الأمريكيون حتى الآن ومدى كونه غنيا بالغذاء الحيواني، ومدى التقدم الهام الذي حصل جراء التحول إلى النموذج الجديد.

فالتغييرات التي تم إدخالها على النموذج تعكس الاعتراف المتزايد بمزايا التغذية النباتية، كما تمثل ذلك أيضا في الإعلان الذي صدر حول هذا الموضوع ضمن وثيقة “تعليمات للتغذية الصحيحة لعام 2010” التي أصدرتها الوزارتان:

“لقد تبين من الدراسات الاستشرافية حول الكبار أنه بالمقارنة مع النظام الغذائي غير النباتي، فإن النظام النباتي مرتبط بتحسين الصحة وبالتحديد بالمستويات الأدنى من السمنة وتراجع خطر الإصابة بأمراض القلب وتدني نسبة الوفيات. كما وجد في عدد من التجارب الطبية أن ضغط دم النباتيين أدنى من مستواه عند غيرهم.

إن النباتيين يستهلكون متوسطا أدنى من السعرات الحرارية من مصادر دهنية، ولا سيما الدهون المشبعة، كما أن مجمل السعرات الحرارية التي يستهلكونها أدنى، وهم يستهلكون الألياف والفيتامين ج والبوتاسيوم بكميات أكبر من غير النباتيين، كما أن مؤشر كتلة الجسم (BMI) لديهم أدنى، علما بأن هذه الصفات وغيرها من نواحي أسلوب الحياة المرتبطة بالنظام الغذائي النباتي من شأنها المساهمة في الصحة الجيدة عند النباتيين”.

هارفارد تنضم أيضا

وبما يعكس التحول اللافت في التعليمات الغذائية للجمهور، انضمت مدرسة الصحة العامة التابعة لجامعة هارفارد، والتي كانت انتقدت بشدة الهرم الغذائي السابق والتعليمات التي أرفقت به، بل وضعت قبل بضع سنوات هرما غذائيا خاصا بها، إلى اتجاه ترك ذلك الهرم ونشرت نموذجا خاصا بها للصحن الغذائي المنصوح به:

واللافت أن صحن هارفارد يشجع الغذاء النباتي أكثر من نموذج “صحني” ، (ولكن أقل من “صحن القوة” لمنظمة “أطباء من أجل طب مسؤول”). كما أن الإمكانات التي يجدها أمامه الخُضريّ الأمريكي الذي يريد العمل بتعليمات هارفارد أقل ضبابية بكثير. وهناك اختلاف إيجابي آخر يتمثل في التوصية بتناول كأس من الماء بدل كأس الحليب الذي تنصح به وزارة الزراعة الأمريكية، والحد من عدد منتجات الألبان ليبلغ ما بين وجبة واحدة ووجبتين يوميا. كما يوجد اختلاف آخر مهم يتمثل في زيادة كمية الخضروات نسبة إلى كمية الفواكه، وهي توصية متوافقة أكثر مع ضرورة التعامل مع مشاكل السمنة المفرطة والسكري والتي تزداد انتشارا في الولايات المتحدة.

ولا يسعنا إلا الأمل في أن تتبنى وزارات الصحة في العالم هذا النموذج الجديد لوزارتي الزراعة والصحة الأمريكيتين، إن لم يكن نموذج مدرسة الطب في هارفارد، وأن تشجع السكان على الزيادة من استهلاك الأغذية النباتية على حساب الاستهلاك الزائد للأغذية الحيوانية، بما يتوافق وروح التوصيات الغذائية الجديدة التي تقف وراء النموذجين الجديدين.